فقاعة الذكاء الاصطناعي

فقاعة الذكاء الاصطناعي تكبر بسرعة مخيفة: متى تنفجر هذه المرة؟

شارك هذا المقال

«الذكاء الاصطناعي هو أكبر فقاعة ستغير وجه التاريخ إلى الأبد». عبارة صادفتها ذات صباح وأنا أتصفح الأخبار التقنية، فتوقفت أمامها طويلًا.

منذ أكثر من خمس سنوات، وأنا أتابع آخر تطورات الذكاء الاصطناعي، باحثة عن كل جديد، ومع كل إنجاز يظهر، يتسلل إلي شعور غريب بالقلق؛ خوف حقيقي لا أنكره، يدفعني تارة إلى أن أتعلم أكثر وأسابق الزمن، ويحثني تارة أخرى على التمسك بما هو أصيل فينا: الكتابة، والتفكير العميق، والإبداع البشري الخالص… قبل أن يتغلغل الذكاء الاصطناعي بهدوء إلى كل زاوية من زوايا حياتنا، ويُعيد تشكيل طريقة عملنا وحتى وجودنا من الأساس.

لكن، ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي-بكل هذه الضجة- مجرد فقاعة ضخمة تُشبه إلى حد مخيف فقاعة «الدوت كوم» قبل ربع قرن؟

هل ستُفاجئنا بانفجار مفاجئ؟ أم أننا -على العكس تمامًا- نشهد ولادة عصر جديد سيُغيّر مسار الحضارة البشرية إلى الأبد؟

قبل أن تضخ ملياراتك في الـ AI: اقرأ ما حدث لفقاعة الدوت كوم أولًا

يقول بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة «أوبن إيه آي» ومدير شركة «سيرا» (Sierra): «أعتقد أن هناك أوجه شبه كثيرة بين فقاعة الذكاء الاصطناعي وفقاعة الدوت كوم. نعم، هناك شركات ستنهار، لكننا سنشهد أيضًا ولادة شركات عملاقة، تمامًا كما حدث مع أمازون وجوجل.»

ويضيف: «صحيح أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا اقتصاديًا كبيرًا… لكنه في نفس الوقت يشكل فقاعة، وسيفقد كثيرون أموالهم.»

دعوني بدايةً أروي لكم قصة فقاعة «الدوت كوم» التي هزّت العالم… ثم اختفت في لمح البصر.

في أواخر التسعينيات، كان الشعار الوحيد الذي يتردّد في كل مكان: «الإنترنت سيُغيّر العالم». اندفع المستثمرون بقوة، وأُسست آلاف الشركات وقتها، وحلّقت أسهمها عاليًا، ثم جاء عام 2000… فانهار كل شيء في غضون أشهر قليلة فقط.

هكذا ولدت فقاعة «الدوت كوم» (Dot-com)، وخسر العالم تريليون دولار، واختفت معظم الشركات التي كانت تبالغ كثيرًا بأنها «ستغير التاريخ».

واليوم، بعد ربع قرن تقريبًا، نعيش اللحظة نفسها مرة أخرى… لكن بكلمة واحدة مختلفة فقط: «الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم».

نفس الحماس، شركات لم تكن موجودة قبل عامين تُقدَّر اليوم بمئات المليارات، أسهم تتضاعف في أسابيع، مستثمرون يركضون وراء أي فكرة تحمل حرفي «AI» وتقييمات تتخطى التريليونات، دون أن تكون هناك أرباح تشغيلية حقيقية تُذكر.

قد تسأل نفسك الآن: من أين هذه الأرباح وهل الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة ستنفجر قريبًا؟

الحقيقة أصبحت واضحة أكثر من أي وقت مضى: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وعد مستقبلي، بل واقع نعيشه ونلمسه في كل لحظة من يومنا.

خذ مثالًا «تشات جي بي تي» (ChatGPT): في شهرين فقط، وصل إلى 100 مليون مستخدم. رقم قياسي لم يحققه أي منتج قبل ذلك.

الآن، هو رفيق يومي لملايين البشر حول العالم: نكتب به المقالات، نبرمج الأكواد، نحلل البيانات، نبتكر الأفكار، وننجز في دقائق ما كان يستغرق ساعات طويلة. كل هذا كان يبدو خيالًا علميًا قبل بضع سنوات فقط.

باختصار، الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثانوية نستخدمها عند الحاجة… بل صار جزءًا لا يتجزأ من حياتنا المهنية والشخصية، تمامًا مثل الكهرباء أو الإنترنت نفسه.

لكن ما السر وراء تفوق شركة أوبن أي آي؟

أثبتت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) كفاءتها من خلال القيمة الحقيقية والملموسة التي تقدمها، والتي استفاد منها الملايين حول العالم. وإليك بعض الأمثلة الواقعية التي تثبت ذلك:

في مجال التعليم

يستخدم ملايين الطلاب والمدرّسين حول العالم «تشات جي بي تي» (ChatGPT) لإتمام الدروس والواجبات، كما يعتمدون عليه في كتابة المقالات، وحل المسائل الرياضية خطوة بخطوة، وتعلم اللغات بطريقة تفاعلية ممتعة. وكل ذلك بمستوى من السهولة والدقة لم يكن متاحًا بهذا الشكل من قبل.

في الطب


أطباء في مستشفيات أمريكية وأوروبية كبرى يعتمدون الآن على نماذج OpenAI (من خلال Microsoft Azure) لتحليل التقارير الطبية بسرعة، اقتراح تشخيصات محتملة، وكتابة الملخصات السريرية تلقائيًا.

النتيجة؟ توفير ساعات طويلة يوميًا من العمل الروتيني الشاق.

الكاتب يقترح عليك قراءة: التشخيص الطبي بواسطة الذكاء الاصطناعي: مستقبل واعد لحياة صحية أكثر

البرمجة والتطوير

«تخيّل أن أكثر من 80% من المبرمجين في العالم باتوا يكتبون الأكواد أسرع بـ 55%… بفضل أداة واحدة فقط: GitHub Copilot، المدعومة من OpenAI».

الإبداع والتسويق

اليوم، يستخدم الصحفيون وكتّاب الإعلانات ومنشئو المحتوى على يوتيوب وتيك توك تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار بسرعة، كتابة النصوص الاحترافية، وصياغة سيناريوهات كاملة في دقائق معدودة فقط.

والأمر لا يقف عند الأفراد؛ فحتى الشركات العملاقة مثل «Coca-Cola وCanva» أصبحت تعتمد-بشكل رسمي- على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم وتنفيذ حملاتها التسويقية.

إذن، نعم… OpenAI ليست مجرد شركة تُبهرنا بأرقام ضخمة في العروض التقديمية فقط، بل هي -في الواقع- تبني الأساس لتحول جذري يُعيد تشكيل التعليم، والطب، والبرمجة، والإبداع، وعالم الأعمال كله… وليس في عام 2050 أو في مستقبل بعيد، بل الآن، أمام أعيننا مباشرة، كل يوم.

رأي الكاتب

لا أذكر كثيرًا تفاصيل فقاعة «الدوت كوم» في مطلع الألفية، لكن آثارها لمستها لاحقًا من خلال قصص شركات كانت رائدة، مثل شركة «سيسكو» (Cisco) العملاق التقني آنذاك. حيث راهن المستثمرون عليها بمليارات، ثم تبخرت نصف قيمتها السوقية في أقل من عامين، ولم تستعد عافيتها الكاملة حتى اليوم.

لكن من بقي على القمة بعد انفجار فقاعة الدوت كوم؟
بقيت الشركات التي كانت تملك أساسات حقيقية: بنى تحتية متينة، قواعد عملاء ضخمة، تدفقات نقدية لا تتوقف وخبرة هندسية عميقة، مثل «أمازون،غوغل ومايكروسوفت»… أسماء أصبحت حاليًا من عمالقة التكنولوجيا الحديثة.

واليوم، حين ننظر إلى حمّى الذكاء الاصطناعي، نرى المشهد نفسه يعاد بسرعة كبيرة: مئات المليارات تُضخ في شركات لم يكن لها وجود قبل عامين، تقييمات خيالية لنماذج ما زالت تستهلك كهرباء مدينة صغيرة لتوليد صورة أو جملة، ووعود بـ«تغيير البشرية» تُردد كما كانت تردد قبل ربع قرن عن «اقتصاد الإنترنت الجديد».

التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يشبه بعضه بقوة.
في الأشهر والسنوات القادمة، سنشهد دخول لاعبين جدد إلى السوق، وسنشهد أيضًا خروجًا صامتًا أو مدويًا للكثيرين.

لكن البقاء سيكون للشركات التي تمتلك البنى التحتية الحقيقية، والجاهزية المالية الهائلة، والقدرة على تحويل التقنية من «عرض مذهل» إلى «منتج ربحي حقيقي».

ولعلّ هذه القصة المتكررة عبر التاريخ تظل تذكيرًا بأن الجاهزية المالية تسبق دائمًا الجاهزية التقنية، بل هي أساس كل فقاعة شهدها الاقتصاد منذ قرون، وفي كل فقاعة ستولد في المستقبل أيضًا.

بيني وبينك!

حتى لو كان الذكاء الاصطناعي فعلًا فقاعة اليوم، فهو -على الأرجح -أجمل فقاعة عرفها التاريخ؛ فقاعة ستترك أثرًا عميقًا وتغييرًا حقيقيًا في حياتنا، شئنا أم أبينا.


شارك هذا المقال

موضوعات ذات صلة